أحمد بن محمد القسطلاني

27

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الوكالة : قال عثمان بن الهيثم : حدّثنا عوف حدّثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " وكّلني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بزكاة رمضان " الحديث بطوله ، وأورده في مواضع أُخَر منها في فضائل القرآن وفي ذكر إبليس ، ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان ، فالظاهر أنه لم يسمعه منه . وقد استعمل البخاري هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث ، فيوردها عنهم بصيغة قال فلان ، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم ، ويأتي لذلك أمثلة كثيرة في مواضعها . فقال في التاريخ : قال إبراهيم بن موسى حدّثنا هشام بن يوسف ، فذكر حديثًا ، ثم قال : حدّثوني بهذا عن إبراهيم . ولكن ليس ذلك مطّردًا في كل ما أورده بهذه الصيغة . لكن مع هذا الاحتمال لا يجمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك من شيوخه ، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلسًا عنهم . فقد صرّح الخطيب وغيره بأن لفظ قال : لا يحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع ، فاقتضى ذلك أن من لم يعرف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال . وأما ما لا يلتحق بشرطه ، فقد يكون صحيحًا على شرط غيره ، كقوله في الطهارة . وقالت عائشة : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الله على كل أحيانه ، فإنه حديث صحيح على شرط مسلم أخرجه في صحيحه . وقد يكون حسنًا صالحًا للحجة كقوله فيها : وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه الله أحق أن يستحيا منه من الناس . فإنه حديث حسن مشهور عن بهز أخرجه أصحاب السنن . وقد يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده كقوله في كتاب الزكاة . وقال طاوس : قال معاذ بن جبل لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبسِ في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فإن إسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوسًا لم يسمع من معاذ . وأما ما يذكره بصيغة التمريض فلا يستفاد منه الصحة عن المضاف إليه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح ، فالأوّل لم يوجد فيه ما هو على شرطه إلا في مواضع يسيرة جدًّا ولا يذكرها إلاّ حيث يذكر ذلك الحديث المعلق بالمعنى ، ولم يجزم ذلك كقوله في الطب : ويذكر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الرقى بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرّوا بحي فيه لديغ . فذكر الحديث في رقيتهم للرجل بفاتحة الكتاب . وفيه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أخبروه بذلك أن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله . فهذا لما أورده بالمعنى لم يجزم به إذ ليس في الموصول أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر الرقية بفاتحة الكتاب ، إنما فيه أنه لم ينههم عن فعله ، فاستفيد ذلك من تقريره . وأما ما لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه كقوله في الصلاة ويذكر عن عبد الله بن السائب قال : قرأ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع ، وهو حديث صحيح على شرط مسلم في صحيحه . ومنه ما هو حسن كقوله في البيوع : ويذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إذا بعت فاكتل " . وهذا الحديث قد رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن المغيرة وهو صدوق عن منقذ مولى عثمان وقد وثق عن عثمان وتابعه عليه سعيد بن المسيب . ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند إلا أن في إسناده ابن لهيعة ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عطاء عن عثمان وفيه انقطاع ، فالحديث حسن لما عضده من ذلك . ومنه ما هو ضعيف فرد ، إلا أن العمل على موافقته كقوله في الوصايا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قضى بالدين قبل الوصية ، وقد رواه الترمذيّ موصولاً من حديث أبي إسحق السبيعي عن الحرث الأعور عن عليّ والحرث ضعيف ، وقد استغربه الترمذي ثم حكى إجماع أهل المدينة على القول به . ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له وهو في البخاري قليل جدًا ،